ذو القرنين(مسلسل حواري) الحلقة الرابعة

مسلسل ذو القرنين
الحلقة(4)
الراوي: جهز ذو القرنين جيشه الجرار واتجه نحو بلاد مغرب الشمس باحثاً عن قوم مظلومين يعتدي عليهم جبابرة من الخلق يحكمون بالظلم والجوَر، وكان يُصلح كل ما يعترضه أثناء رحلته إن كان على مستوى فرد أو على مستوى أمة، حيث كان ينظر إلى العدل كعدل، وإلى الظلم كظلم، مهما كانت النسبة، ولم يكن ينتظر أخبار الأمم من بعض الرحّالة فكان يبادر بالسفر إلى أبعد المناطق من تلقاء نفسه حيث أعطاه ربه من كل شيء سبباً فأتبع سببا.
القائد: أيها القائد بتار.
بتار: أمرك أيها القائد.
القائد: مُرِ الجنود بالتوقف في هذا المكان.
بتار: ولكن يا سيدي إنه مكان موحش والشمس فيه محرقة.
القائد: ومع ذلك مرهم أن يتوقفوا في الحال.
بتار: فليتوقف الجميع، ما الأمر أيها القائد؟ لماذا أمرتنا بالتوقف في هذا المكان القفر؟ ألا ترى أنها صحراء خالية لا يوجد فيها مخلوق، حتى أنني لم أرى حشرة على الأرض منذ ساعات.
القائد: هل تظن أنّ هذا المكانَ كما وصفتَه؟
بتار: أجل يا سيدي، أنظر من حولك لا يوجد سوى كثبانِ رمالٍ صفراء وحرارةِ شمس محرقة، وعواصفَ رمليةٍ قاتلة.
القائد: إقترب مني قليلاً.
بتار: ما الأمر يا سيدي؟
القائد: هل ترى ذلك الرجل هناك؟
بتار: أين؟
القائد: إنه يجثو على ركبتيه يستظل بالكثبان الرملية.
بتار: إإإإ ، ماذا؟ رجلٌ في هذه الصحراء؟ نعم يا سيدي أراه بوضوح.
القائد: لقد تسرعتَ في الحكم كعادتك، وهذا لا يليق بقائد مثلِك، أنت ساعدي الأيمنُ يا بتار، إياك أن تتسرع في التقدير مرةً أخرى.
بتار: عفوَك يا سيدي، كنتُ مخطئاً، ولن يتكرر مني هذا الخطأ، أعدك.
القائد: ليس المهم أن تعترف بالخطأ، أو تعِدَني بعدمه، المهم أن لا يتكرر الخطأ منك مرةً أخرى.
بتار: أمرُك أيها القائد، مرني بما تريد.
القائد: ترجل إلى الرجل وحدك وتحقق من أمره، وإياك أن تُدخل الرعب إلى قلبه، يبدو عليه الحزنُ والقلق، لا أحب أن أكون مصدر خوف لأحد.
بتار:حاضر أيها القائد.
القائد: بتار.
بتار: نعم.
القائد: لا نريد أن نزيد في حزنه أو نتحولَ إلى أداة شر للخلق، هيا اذهب وتحقق من الأمر، إنّ واجبَنا هو الدفاعُ عن المظلومين أياً كانوا، هيا اذهب على الفور.
بتار:قف مكانك أيها الرجل، توقف، لا تخف أرجوك، إبق مكانك، كن هادئاً، نحن نريد مساعدتَك، ما الأمر؟ إني أراك تبكي.
الرجل: أرجوك لا تقتلني أنا لم أرتكب أي خطأ.
بتار: ولماذا أقتلك؟
الرجل: أقسم إنني لم أتأخر عن دفع الضرائب إلا بسبب كساد تجارتي، أخبر الملكَ أنني سوف أدفع له الضريبة مضاعفةً عندما أبيع بضاعتي.
بتار: عن أي زعيم تتحدث أيها الرجل، وما قصة تلك الضرائب؟
الرجل: ألست وزير حاكم مدينتنا؟
بتار: لا أيها الرجل، لست وزيره ولا أنا من هذه الديار، إنني من جيش القائد العادل ذي القرنين، ألم تسمع عنه؟
الرجل: بلى والله، سمعت عنه كثيراً، دلني على مكانه أريد أن أقبّل يديه، الحمد لله، كم كنت أتمنى وصولكم إلى هذه المدينة لترفعوا عنا ظلم حاكمنا.
بتار: إهدأ وأخبرني قصتك، ولماذا أنت في هذا المكان القفر وحدك، وسوف نساعدك بإذن الله.
الرجل: خذني إلى القائد ذي القرنين أريد أن أبثّ له شكواي.
بتار: تفضل معي.
الرجل: أنت القائد ذو القرنين؟
القائد: أجل أنا ذو القرنين العبدُ الفقيرُ إلى ربه.
الرجل: هات يدك أريد أن أقبلها، بالله عليك دعني أقبّلْ يدَك.
القائد: أرجوك يا أخي لا تنحني إلا لله وحده، إرفع رأسك وأخبرني بأمرك.
الرجل: لست قادراً على الكلام لقد جف لساني من شدة الظمأ.
القائد: أعطوه الماء في الحال، تفضل إشرب بالهناء والشفاء.
الرجل: الحمد لله، لم أشرب نقطة واحدة منذ يومين.
القائد: هل بإمكانك الآن أن تخبرني قصتَك؟
الرجل: أجل أيها القائد.
القائد: تفضل.
الرجل: كنا نقطُن تلك المدينةَ منذ عقود، وقد ورِثنا الأرض عن آبائنا وأجدادنا، فبنيناها وزيناها وأصبحت مدينةً عامرة ومزدهرة يحسدنا الناس على تلك النعمة يأتي إلينا الوافدون من كل حَدْبٍ وصوب، وذاتَ مرة وسوس الشيطان لأحد أهل المدينة وكان ذا مال ونفوذ ففرض سيطرته على كامل المدينة وأهلِها، وأعلن نفسه الحاكم الشرعي عليها، ومن حينها ونحن نعاني الكثير من ظلمه وشره، إنه مفسدٌ في الأرض لا يرحم صغيراً ولا يوقّر كبيراً، إنه يفرض علينا ضرائب لا طاقة لنا بها، إنه يقاسمنا أرزاقنا وتجاراتِنا، وقد كسدت تجارتي منذ أيام فلم أقدر على دفع الضرائب، فأمر الحاكم بسجني فعلمتُ بالأمر فتركت الديار وأتيت إلى هذه البراري فاراً من جور وزير الملك، إنه ظالم لا يرحم أحداً، لقد استولى رجاله على داري ودكاني، وقد فرت زوجتي وأولادي إلى جهة مجهولة، لا أعلم إن كانوا على ما يرام أو أمسك بهم جنود الملك، وأنا هنا أنتظر لحظة الفرج وقد أتت بمجيئكم، أرجوكم ساعدوني على إيجاد عائلتي واحموني من جَور الملك الظالم.
القائد: ما أعجبَ أمرَ الإنسان، يتكبر وهو يعلم ضعفَ نفسه، ويجتهد في ظلم الناس ويكره الظلم من غيره، لا عليك أيها الرجل، طِبْ نفْساً وهدئ من روعك، سوف أبذل كامل جهدي لأفع الظلم عنك وعن أهل مدينتك، سوف ألقّن هذا الظالم درساً لن ينساه طيلة حياته إن بقي على قيد الحياة.
الرجل: أشكرك أيها القائد العظيم.
القائد: إنه واجبنا يا أخي، لقد عاهدتُ ربي أن أبذل قُصارى جهدي للدفاع عن الناس وحقوقهم مهما كان الثمن كبيراً، لا عليك أيها الرجل، دلني على مكان مدينتكم فقط، وأنا سوف أقوم بالواجب.
الرجل: بارك الله بك أيها القائد وسدّد خطاك فيما أنت عليه من فعل الخير، نعم يا سيدي، إنّ مدينتنا تبعد عن مكانكم هذا مسيرَ يومين من هذا الإتجاه.
القائد: أتعني جهة الغرب؟
الرجل: أجل يا سيدي.
القائد: على أي حال كنا متجهين بهذا الإتجاه، إن مرورنا بمدينتكم كان جزءاً من مهمتنا، ولكن لقائي بك عجّل المهمة أكثر، ولكن أخبرني، كم عددُ حاشية هذا الظالم؟
الرجل: خمسة آلاف على حد علمي، إنه عددٌ تصعُب علينا مواجهتُه، إنهم مدججون بالسلاح الذي لا يُقهر.
القائد: ولكن الحق سوف يقهرهم، لا صوتَ يعلو فوق صوت الحق، ولكن هل تظن بأن الجميع ظالمون أم أن الحاكم أجبرهم على الظلم؟
الرجل: أكثرهم ظالمون وقليلٌ منهم مجبَر ٌ على فعل ذلك.
القائد: وهل تعرف تلك القلة منهم؟
الرجل: حقَّ المعرفة.
القائد: هذا جيد، سوف تدلنا عليهم وسوف يكون حسابهم غير حساب البقية، لن أحاسبهم على ظلمهم، بل على سكوتهم عن الظالم، كان بإمكانهم أن يرفضوا الظلم ولو بكلمة واحدهم، ولكنهم ركنوا إلى الظالم فاستعبدهم.
الرجل: أحسنتَ قولاً أيها القائد الحكيم، هذا ما حصل فينا بالضبط، فلو كان رأى منا اعتراضاً من الأساس لما وصل الحال إلى هذه الدرجة، ولذا فضّل الكثيرون منا العيش بذل ومهانة.
القائد: هذا يعني أن الجميع شركاء في ظلم الملك؟
الرجل: بالضبط، هذا هو الواقع.
القائد: حسناً، إسمعني يا بتار.
بتار: نعم أيها القائد.
القائد: إذهب مع هذا الرجل برفقة مجموعة كبيرة من الجنود، واتفق معهم على خطة محكَمة، لا أريد أي خطأ.
بتار: لك ذلك أيها القائد.
القائد:لا ترجع إلينا حتى تُنهيَ مهمتَك، وأشدد على معاقبة الظالم والإشفاق على المظلوم، لا نريد أن نزيدهم ظلماً فوق الذي عانَوه من ظلم ملِكِهم، تحقق من أمره واحكم بالعدل بينهم.
بتار: ولكن لما لا نتوجه بكل الجيش، إن وجهتَنا هي نفسها وجهةُ مدينة الرجل؟
القائد: أعرف ذلك، ولكنني أريد لباقي أفراد الجيش أن يرتاحوا أياماً قليلة، فأمامهم سيرٌ طويل وتعبٌ شديد، ثم إنه لا داعي أن ندخل المدينة بكل الجيش كيلا نُرعب أهلها، ولا أظنها تتسع للجيش، هيا انطلق وافعل ما أمرتك به دون أي تقصير.
بتار: حاضر أيها القائد، سوف نعذّب المذنبين وننصر المظلومين كالعادة.
القائد: نعم، ولكن إحذر أن تعذّب أحداً قبل أن تتحقق من أمره لا نريد أن يضيع أجرنا بسبب خطأ نرتكبه.
بتار: لك ما تريد أيها القائد.
القائد: هيا تحرك بالجيش، إنني أنتظركم مع باقي الجيش في هذا المكان، أرى أنه مناسب للتخييم، ولكن لا تتأخر أمامنا مسؤوليات أخرى.
بتار: حسناً، هيا أيها الرجل، دلنا على الطريق.
الرجل: أمرك يا سيدي، تفضلوا سوف أسير أمامكم.
القائد: أين القائد يافع؟
الجندي: إنه في الخلف يا سيدي ينظم صفوف الجيش.
القائد: إذهب إليه وأخبره أني أريده في الحال.
الجندي: أمرك يا سيدي.
القائد: يافع.
يافع: نعم أيها القائد.
القائد: مرهم أن ينصبوا الخيام في هذا المكان ربما نمكث فيه لبضعة أيام.
يافع: سأفعل بإذن الله.
الراوي: أمر ذو القرنين جنوده بالتخييم في تلك الصحراء بينما أرسل مساعده الأول لينشر العدل في تلك المدينة الفاسدة التي ضاقت صدور أهلها من ظلم حاكمهم، وإليكم بعض نماذج ظلمه قبل أن يصل مساعد ذي القرنين إليه.
الشيخ علي فقيه

